الأمير الحسين بن بدر الدين

79

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

والجواب أنّ ظاهر الآية لا يقتضي ذلك ؛ لأنه لم يبيّن المقصود بأنّه في السماء ، ومن المخوّف منه ، فسقط قولهم . فيجوز أن يكون عنى به من في السماوات سلطانه ، ويجوز أن يكون عنى به الملائكة الذين أهلك اللّه تعالى من أهلك على أيديهم ، وإنهم نزلوا بعذاب أولئك القرون ، واستأصلوهم « 1 » . فالتعلق به ساقط . فإن قيل : ولم وحّد ذكر الملائكة ؟ قلنا : إن لفظة من تقع على الواحد والجمع ، فمتى حملت على اللفظ وحّدت ، ومتى حملت على المعنى جمعت . وقد ورد بكل ذلك الكتاب والشّعر : أما الكتاب فنحو قوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ الجن : 23 ] إلى غير ذلك من الآيات . وأما الشعر فقول زهير : ومن يتعظّم بالكبائر يتّضع * ومن يتواضع خشية اللّه يعظم « 2 » ومن ذلك قوله تعالى : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [ المجادلة : 6 ] . قالوا : وكذلك فقد انعقد الإجماع بين المسلمين في أنه تعالى في كل مكان . والجواب عن ذلك أن المراد به أنّه تعالى محيط بكلّ مكان علما وقدرة ، فكأنّ ذاته في كل مكان . ومتى كانت هذه الآية وما شابهها محتملة لما ذكرناه من التأويل ، ومطابقة في ذلك دلالة العقول ، ومحكم الآيات ، غير خارجة عن اللغة العربية ، والقرآن - نزّل عليها ، فيجب أن تحمل على ذلك لتتّفق الأدلة ، وينزّه الصانع عن صفات النقص . ومن جملة ما تعلقوا به في المكان قوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ

--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي مج 15 ص 71 . . ( 2 ) مجموع المتون ص 796 . معلقته .